أبي طالب المكي
116
علم القلوب
تدركه ، ولا تحيط به علما ، وإظهاره في الكتابة دليل على إنه يظهر على قلوب العارفين ، ويبدوا لأعين المحبين « 1 » في دار السلام ، بوصف الكمال والتمام . والصاد أنه صادق فيما وعد ، فعله صادق ، وكلامه صدق ، ودعا عباده إلى الصدق ، والميم دليل على ملكه ، فهو الملك على الحقيقة ، لا مالك للأشياء غيره ، وكل ملك سيزول [ إلا ] ملكه ، والدال علامة دوامه في أبديته وأزليته . وقال بعضهم : علامة العارف ترك الطلب ، وعلامة من ليس بعارف الجهد في الطلب ؛ لأن العارف حاضر ، والحاضر قد استغنى عن الطلب ، والطالب يطلب ما قد غاب عنه شئ ، فليس بعاف به . وقال الجنيد : الصَّمَدُ الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا إلى معرفته . وقال الخلدى : الصَّمَدُ الذي لم يعط خلقته من معرفته إلا الاسم والصفة . وسئل بعضهم : ما معنى الصَّمَدُ ؟ [ فقال : ] أعلمك الجليل جل جلاله أن ما يتسع له اللسان أن يشير إليه البيان ، أو يتفكر به الجنان من تعظيم ، أو توحيد ، أو تفريد ، أو تجريد ، فهو معلوم ، والحقيقة وراء ذلك لا تحيط بها العلوم ، ولا يشرف عليها أحد ؛ لأن الصمدية ممتنعة عن ذلك كله ، فياعجباه من ظنك وتوهمك بأنك تعرف ربك ، كيف تبلغ أوصافه بلسانك وهو الذي خلق لسانك ؟ والمخلوق لا يتسع ولا يبلغ ولا يدرك به إلى وصف مخلوق مثله ، كيف يشير إليه بالبيان وهو الذي خلق العيان ، وبيّن البيان وبيان البيان ؟ وكيف يفكر في الجنان وهو الذي خلق الجنان ، وأجن الجنان في ظلمات الأجسام ، وأجن في الجنان ما يتفكر به الجنان ؟ فسبحانه من جبار لم يذكره بالحقيقة أحد ، ولا وصفه أحد ، ولا عرفه أحد ، ولا شكره أحد ، ولا أحبه أحد ، ولا خافه أحد ، لم يذكره غيره ، ولا وصفه سواه ، ولا عرفه غير إياه . وقال أبو علي الروذباري : وجدنا أنواع الشرك في ثمانية أنواع : على التبعيض ، والتقليد ، والكثرة ، والعدد ، والعلة ، والمعلول ، والأشكال ، والأضداد ، فأنزل اللّه تعالى سورة نفى [ فيها ] عن نفسه نوع الكثرة ، والعدد بقوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] ، ونفى التبعيض والتقليب بقوله : اللَّهُ الصَّمَدُ [ الإخلاص : 2 ] ،
--> ( 1 ) ليس المقصود أن يبدو سبحانه لأعين المحبين ظهورا ماديا ، بل المراد ظهوره للبصيرة من حيث شهود آثار الأسماء والصفات ذوقا وتحقيقا ، لا بالعقل والدليل .